إشكاليات / خربشات وطنية

انتبهوا… حقول ألغام!

هذه ليست مواعظ ولا نصائح هي مجرد هواجس تكوّنت لديّ بعد  انطلاق حملة اسقاط النظام الطائفي في لبنان كمشاركة في هذا الحراك منذ بدايته, ولأنني آمنتُ بهذا الحراك وتفاعلت معه, ولأنني وجدتُ من يشاطرني الرؤية الوطنية الجامعة بعد أن كفرتُ بالاصطفافات السياسية والطائفية التي كرّستها قوى الثامن والرابع عشر من آذار خاصة بعد عام 2005 اثر اغتيال رفيق الحريري, وقبلها سنوات الطائف التي تكرّست فيها سلطات الزعماء الذين شاركوا في قتل وتدمير وممارسة أبشع الجرائم الانسانية ضد اللبنانيين والفلسطينيين على حد سواء خلال سنوات الحرب الأهلية (يُصادف ذكرى اندلاعها غداً) التي قد تُعاد في أية مناسبة ان نحن لم نحصّن أنفسنا وحراكنا من الفشل والاختراقات! بات واجباً عليّ أن أدق ناقوس الخطر, نعم ناقوس الخطر, الوضع لا يحتمل المغامرات او التجارب, هذه حملة شبابية مستقلة حملت سنوات عمرها وآمالها وأحلامها وتطلعاتها بعد أن رأت امكانية التغيير اثر الثورات العربية المتنقلة من دولة عربية الى أخرى, ويجب أن تبقى مستقلة. كنتُ قد حذّرت في مقال سابق من التوقف عند مكان ما والاكتفاء بما تحقق فـ نظن أننا انتصرنا أو أتممنا واجباتنا!

وكي لا نغرق نحن وحراكنا في مستنقع الجمود, علينا أن نتنبّه الى خطورة ما يجري من محاولات الغاء الآراء المختلفة داخل الحراك, فـ رأي كل فرد منا يجب أن يؤخذ بعين الاعتيار لانه يساهم في فاعلية الحراك لا العكس, ولا ضرورة للتذكير بأن الحملة بدأت من التفاعل الشعبي ولا تخضع لقيادة منظمة أو أفراد أو جهات معينة, وبالتالي لا يحق لأحد أن يضع ضوابط أمام أي فرد منّا. وبالتالي رفض رأي كل من ينتقد أداء الحراك أو الثورة لا يجب أن يُنظر اليه على انه مندس أو عميل أو مخرّب يبحث عن مكتسبات شخصية, على العكس يجب أن نشجع على النقاش والحوار بين كافة مكونات الحراك, والانتقاد واجب وضروري والا لن نختلف في شيء عن الوضع الحالي ان كان في لبنان أو في الدول الديكتاتورية! لبنان, بالمناسبة ليس دولة ديمقراطية, بل هو نظام يقوم على ديكتاتورية الزعماء وأتباعهم وكل من هو خارج هذه الاصطفافات لا مكان له ولا رأي, وكلنا يشهد على ذلك والأمثلة لا تُعد ولا تُحصى!

الخطورة الثانية تكمن في استعداء الشريحة الأكبر من الشعب اللبناني المنتمي الى الأحزاب المتواجدة على الساحة اللبنانية. علينا أن نتفهم هواجس اتباع الزعماء فهؤلاء هم جزء من الشعب اللبناني وعلينا ان نتقرّب منهم من خلال طروحاتنا لا ان نبعدهم, والا سنبقى وحيدين والنظام الحالي سيبقى ويترسخ لا بل قد يؤدي الى مزيد من تقوقع مناصري الزعماء الحاليين, وهذا التفهم يكون عبر الانصات الى هواجسهم ومخاوفهم ومحاولة اقناعهم بفوائد اسقاط النظام واقامة نظام بديل يقيّم المواطنين على أساس كفاءاتهم لا انتمائهم الحزبي أو الطائفي الضيق, والانتماء للوطن عوضاً عن الانتماء للزعيم. فلنتعلم من الآخرين لا سيما الثورة المصرية حيث أن الثوار لم يطرحوا يوماً اسقاط مؤيدي الرئيس المصري المخلوع حسني مبارك بل ركّزوا على الهدف الرئيسي وهو اسقاط النظام, لم يعتدوا على مؤيدي مبارك رغم كل ما تعرّض له الثوّار من بلطجة وأعمال عنف من قبل النظام, بقوا سلميين والجميع احترمهم وناصرهم, حتى عمرو موسى المعروف بانتهازيته وتزّلمه لنظام مبارك لم يحاولوا طرده حين زار ميدان التحرير رغم أن الثوار المصريين يعرفونه اكثر منّا جميعاً!

أيضاً من جملة المخاطر التي تُهدد بالحراك هي محاولات الاستئثار والتفرّد من قبل البعض, خلال الثورة المصرية التي عشتها لحظة بلحظة وكنتً أشعر انني أحيا من خلال نبض الثوار في ميدان التحرير, لم أشعر يوماً أن نوّارة نجم كانت تحاول اقصاء خالد يوسف او ان خالد صالح كان يحاول قمع رأي خالد أبو النجا, وغيرهم من الأسماء المعروفة في مصر والعالم العربي, بل كلهم كانوا جنوداً في الثورة المصرية, جمعهم هدف واحد هو اسقاط نظام مبارك ولم يتلهوا في تسمية النظام البديل أو وضع أسسه, لم يبحثوا عن شهرة اضافية ولم يسعوا اليها حتى, كانوا مثلهم كمثل الملايين من المواطنين المصريين الذين كسروا حاجز الخوف والقلق, آمنوا بقدرتهم على النجاح والانتصار, وعملوا كيد واحدة كل في مجاله!

أما الخطورة الأكبر فـ تتمثّل بمحاولة البعض تحريف  الحملة عن مسارها عبر التركيز على شعارات فضفاضة وضيقة في آن! منذ البداية توافقنا على اننا نريد دولة مدنية ديمقراطية ذات سيادة, فمن هو المستفيد من وضع شعارات لا تخدم سوى أصحابها؟ ما معنى التركيز المستمر على النظام البديل دون الخوض في طرق وأساليب اسقاط النظام الطائفي الحالي؟ من ينظر الينا من بعيد يظن اننا اسقطنا النظام ومؤسساته ولم يبقى سوى تسمية النظام الجديد! فـلتتمهل قليلاً ونتروى, النظام اللبناني ما زال قوياً, لم يهتز أي ركن من أركانه بعد, وعلينا ان نكون واقعيين وواعين الى خطورة التسرّع التي قد تؤدي الى انهيار كل الآمال التي وضعناها على هذا الحراك, ولتبقى شعاراتنا واقعية وهادفة. نريد اسقاط النظام الطائفي فقط, وكل المحاولات الجارية لزيادة شعارات جديدة لا تخدم الحراك بل تؤدي بنا الى التقوقع, معركتنا مع النظام والمفاهيم والاعراف الموجودة منذ نشأة الكيان اللبناني, معركتنا هي معركة وعي أولا وأخيراً, ان نجحنا نكون قد وفّرنا على جيلنا والأجيال القادمة المزيد من الحروب الأهلية, وان فشلنا, نكون بذلك قد قضينا على أية محاولة جدية للخروج من هذا التفق المظلم…

الثورة تحتاج الى الوعي لا الى المراهقة السياسية, تحتاج ان نتكاتف جميعا, أن نضع الاحقاد الشخصية أو الحزبية جانباً, الثورة تحتاج الى فضاء رحب لا متاهات جانبية واتهامات وشتائم, الثورة تحتاج الى كل واحد منّا, الى نفس طويل وادراك أن المسيرة طويلة ويلزمها الكثير من الصبر والرؤية الواقعية…فـ لننتبه قبل فوات الأوان!

صفحة المدونة على الفايسبوك

Advertisements

Remember: think and comment "out of the box"

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s