أجمل ما قرأت

أي عقوبة أن تكون فلسطينياً؟ نصري الصايغ

يموت، ويبقى في منتصف العبور الى…
يموت الفلسطيني، ولا يصل. يعيش الفلسطيني ولا يصل. أي عقوبة، أن يظل موته ناقصاً، وأن تسـتمر حياته بلا شواطئ؟
أمس، مات أبو مــاهر اليــماني، وظل موتــه ناقصــاً، قبلــه، مــات أنيسه، أنيس الصايـغ، وظل مـوته انتـظاراً. قبلـهما، مــات شفيق الحــوت، ولم نقطع به المسافة إلى نهايتـها، ومات ادوارد سعيد، وانتثر رماداً، ولم يكتمل… أما هشام شرابي، فقد حمله موته، ولم يبلغ أحضان عكا.
ولا يزال محمــود درويـش ينتظر على تلّتــه، في مثــواه ما قبـل الأخــير، أن يكتمل مع موعده، ويصبح في «حضرة الغياب».
موت الفلسطيــني نــاقص. هو بحاجة إلى أمومة تتعرف إليه ويحتضـنها بعد فــراق. مــوت أبي ماهر بحـاجـة إلى ترابه، تراب قريته، أمه التي جف عشب انتظارها.

أي عقوبة أن تكون فلسطينياً؟
كل منفي يبــحث في منــفاه عن وطن يكون منفــاه الدائــم، إلا الفلــسطينيين، هو المنفى وهو المنــفي وهــو المنـافي كلها. إذا أقــام، ففـي مخــيم، وإذا تحــرك، فـمن «ريح إلى ريح»، ومـن قارعة إلى قارعة.
المخيم، لا نفـــي شبــيه بــه. اقــامة في المــوت بلا جنازة. يؤنسـك الدمـع، والألم تسليــتك. تمد يـدك لتمســك بذاكــرة الوطن، فإما تعتبر متسولاً، فيذلونك، وإما يظن انك مخرب، فيعتقلونك.
منفي أنت. عنوانك اللا مكان. ولكي يقبلوك بينهم، عليك أن تعيش ميتاً.
نحن عـرب، وأوطــاننا تهــرب منا ونتهرب منها. أما أنت، فلا مفر منك. أنت وطنك. لا أحد مثلك. بعد قرن، وبعد لم تنفطم. لك بين البشر حكاية: أنت مريض جداً، مدنف جداً، ومن يشـفَ من مرضك مات.
أنـت شعـب على مواعـيد مؤجلـة. وتــدمن رسم الخرائط، مرة بالتظاهرات، وغالباً بالسلاح. وكل خريطة منفى، وفلسطين وحدها مقيـمة فيك، فيما أنت تريد اقامتها في خريطتها، من البحر إلى النهر.
أنت وطـن يبحــث عن أرضه… نحن، لديـنا أراض شاسـعة، نبـحث فيها عن وطن ولا نجده، وان وجــدناه، أغمـضنا قلوبنا عنه، كي لا نكرهه، أو نتـودد إليه نفاقاً.

منذ مئة عام، وأنت بلا فلسطين، وما زلت تراها من القطب الشمالي إلى القطب الجنوبي، وأكبر من القارات الخمس.
لذلك، أنت مخيف، حياً وميتاً. فلا أنت مقبول في حياتك إلا ميتاً، ولا أنت مقبول ميتاً في بلادك. حلمك بفلسطين يقض مضجع إسرائيل، ولا يريح نوم العرب، وثقيل جداً على «حزب حقوق الانسان الدولي».

وتبقى غريباً يا أبا ماهر. تشبه أولئك الذين كتبوا وصيتهم بين هجرة وهجرة، بين منفى ومنفى، بين موت وموت. كتبت: إما أحج إلى القدس بقدميَّ ماشياً في حياتي، وإما أحج إليها بجناحين في مماتي.
نم في موتك قليلاً، بانتظار عودتك.
نم أيها الرجل. يا صاحب أجمل الألقاب: فلسطيني.

أي عقوبة أن تكون فلسطينياً؟ نصري الصايغ

Advertisements

One thought on “أي عقوبة أن تكون فلسطينياً؟ نصري الصايغ

  1. أعجبني المقال كثيرا ولكني أري أن تكون فلسطينيا هي نعمه كبيرة لأسباب كثيرة أهمها هذا الجزء من المقال ” أنت وطـن يبحــث عن أرضه… نحن، لديـنا أراض شاسـعة، نبـحث فيها عن وطن ولا نجده، وان وجــدناه، أغمـضنا قلوبنا عنه، كي لا نكرهه، أو نتـودد إليه نفاقاً. “

Remember: think and comment "out of the box"

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s